الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
352
تفسير روح البيان
ويغفر له كما قال وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ كذا في التأويلات النجمية لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ الإيلاء الحلف وحقه ان يسعمل بعلى لكن لما ضمن هذا القسم معنى البعد عدى بمن اى للذين يبعدون من نسائهم مؤلين تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ اى انتظار هذه المدة وإضافته إلى الظرف على الاتساع في الظرف بجريه مجرى المفعول به كما يقال بينهما مسيرة يوم اى مسيرة في يوم اى لهم ان ينتظروا في هذه المدة من غير مطالبة بفيئ أو طلاق . والإيلاء من الزوجة ان يقول الرجل واللّه لا أقربك أربعة أشهر فصاعدا على التقييد بالأشهر أو لا أقربك على الإطلاق ولو حلف على أن لا يطأها أقل من أربعة أشهر لا يكون مؤليا بل هو حالف إذا وطئها قبل مضى تلك المدة يجب عليه كفارة يمين على الأصح . وللايلاء حكمان حكم الحنث وحكم البر . فحكم الحنث وجوب الكفارة بالوطئ في مدة الإيلاء ان كان اليمين باللّه ولزوم الجزاء من نحو الطلاق أو العتاق أو النذر المسمى ان كان القسم بذلك وحكم البر وقوع طلقة بائنة عند مضى مدة الإيلاء وهي أربعة أشهر ان كانت المنكوحة حرة وان كانت المنكوحة أمة الغير تبين بمضي شهرين * قال قتادة كان الإيلاء طلاقا لأهل الجاهلية * وقال سعيد بن المسيب كان ذلك من ضرار أهل الجاهلية كان الرجل لا يحب امرأته ولا يحب ان يتزوجها غيره فيحلف ان لا يقربها ابدا فيتركها لا أيما ولا ذات بعل وكانوا في ابتداء الإسلام يفعلون ذلك أيضا فأزال اللّه ذلك الضرر عنهن وضرب للزوج مدة يتروى فيها ويتأمل فان رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعله وان رأى المصلحة في المفارقة فارقها فَإِنْ فاؤُ اى ان رجعوا عما حلفوا عليه من ترك الجماع فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يغفر للمولى بفيئته التي هي كتوبته اثم حنثه عند تكفيره أو ما قصد بالإيلاء من ضرار المرأة وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ أصل العزم أو العزيمة عقد القلب على إمضاء شئ تريد فعله اى حققوه وأكدوه بان ثبتوا في المدة على ترك القربان حتى مضت المدة فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لطلاقهم عَلِيمٌ بغرضهم فيه * والإشارة في تحقيق الآيتين ان يعلم العبد ان اللّه لا يضيع حق أحد من عباده لا على نفسه ولا على غيره فلما تقاصر لسان الزوجة لكونها أسيرة في يد الزوج فاللّه تعالى تولى الأمر بمراعاة حقها فامر الزوج بالرجوع إليها أو تسريحها فإذا كان حق صحبة الاشكال محفوظا عليك حتى لو أخللت به أخذك بحكمه فحق الحق أحق بان يجب مراعاته * وفي تعيين تربص أربعة أشهر في الفيء إشارة عجيبة وهي انها مدة تعلق الروح بالجنين كما قال عليه السلام ( ان أحدكم يجمع خلقه ) اى يحرز ويقر مادة خلقه ( في بطن أمه ) اى في رحمها من قبيل ذكر الكل وإرادة الجزء ( أربعين يوما ) وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه ان النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد اللّه ان يخلق منها تنشر في بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعرة فتمكث أربعين ليلة ثم تنزل دما في الرحم فذاك جمعها ( ثم تكون علقة ) وهي قطعة دم غليظ جامد ( مثل ذلك ) أربعين يوما ( ثم تكون مضغة ) وهي قطعة لحم قدر ما تمضغ ( مثل ذلك ثم يرسل اللّه اليه الملك فينفخ فيه الروح ) وهذا يدل على أن التصوير يكون في الأربعين الثالثة ( ويؤمر بأربع كلمات ) يعنى يؤمر الملك بكتابة اربع قضاها وهو معطوف على قوله تكون علقة لان الكتابة في الأربعين الثانية ( يكتب رزقه ) روى على صيغة المجهول والمعلوم ( واجله ) وهو يطلق على مدة الحياة كلها